محمد بن لطفي الصباغ

63

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

- ثم نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 1 » . فانتهى المسلمون ، وتركوا الخمر ، وأهرقوا ما في دورهم منها . روى البخاري عن عائشة قالت : ( إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الاسلام نزل الحلال والحرام . ولو نزل أول شيء ( لا تشربوا الخمر ) لقالوا : لا ندع الخمر أبدا . ولو نزل ( لا تزنوا ) لقالوا : ( لا ندع الزنا أبدا ) « 2 » . وكذلك فإنّ التدرج كان في عقوبة الزنا أيضا ، إذ كان الحبس في البيوت حتى الموت للزانيات أو يجعل اللّه لهن سبيلا ، ثم نزل الحد . جاء في تفسير الجلالين في تفسير قوله تعالى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا « 3 » : [ أمروا بذلك أول الإسلام ، ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة ] وروى مسلم انه صلى اللّه عليه وسلم قال : « خذوا عني ، قد جعل اللّه لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » « 4 » .

--> ( 1 ) سورة المائدة : 90 - 91 . ( 2 ) « صحيح البخاري » 6 / 152 وانظر « الاتقان » 1 / 42 أقول : بهذا التدرج والاعتماد على العقيدة نجح الاسلام في تحريم الخمر والقضاء عليه كما تقول السيدة عائشة ، بينما أخفقت حكومة أمريكا عندما أرادت منعه على الرغم من الأموال والجهود الكثيرة التي بذلتها واضطرت إلى إباحته مرة أخرى سنة 1933 وانظر « ما ذا خسر العالم » ص 91 . ( 3 ) سورة النساء : 15 . ( 4 ) « صحيح مسلم » 3 / 1316 ط عبد الباقي .